الرئيسية - تقارير - "جمعة الكاوتشوك" بغزة.. الحكاية من البداية
"جمعة الكاوتشوك" بغزة.. الحكاية من البداية
الساعة 09:27 مساءاً

يتصبب جبين الشاب عيسى أبو جامع عرقا وهو ينزل الإطارات المطاطية من على دراجات نارية ذات الثلاث عجلات (توك توك) لمكان تجميعها المؤقت ببلدة بني سهيلا (جنوب القطاع)، ضمن استعدادات ما سماها نشطاء "جمعة الكاوتشوك" على حدود قطاع غزة مع الاحتلال الإسرائيلي.
 
يعلو صوت الشاب وهو يوجه رفاقه لترتيب الإطارات فوق بعضها، لتبدو مشاهدة للمارة حول مفترق الطرق الرئيسي لتشجيعهم على جلب ما لديهم، بينما لا يتوقف عن الصراخ عبر هاتفه النقال على الفريق المكلف بالتنقل بين المحال والمنازل والورش لجمع مزيد من "الكاوتشوك".
 
يقود أبو جامع مجموعات شبابية لجمع الإطارات بخان يونس (جنوبي القطاع)، بالتزامن مع نشاط محموم لشباب آخرين يتحركون ببقية مناطق القطاع لتوفير آلاف الإطارات المطاطية، حسب ما يتوقعون، لإشعالها بالمناطق الحدودية، بالتزامن مع دعوات متصاعدة لتوفير مرايا عاكسة للتشويش على قناصة الاحتلال.

أعداد كبيرة من الإطارات المطاطية تم نقلها للحدود الشرقية لخان يونس (جنوبي القطاع) مع الاحتلال ضمن "جمعة الكاوتشوك" (الجزيرة)
ويغلب على حملات جمع الإطارات المطاطية الطابع الشبابي التطوعي غير الخاضع لتوجيهات منظمي مسيرة العودة، ممن قرروا تخصيص الجمعة المقبلة لتكريم الشهداء وذويهم مع دعمهم لتحركات الشباب القاضية بتوفير وسائل تمكنهم من حماية أنفسهم خلال المسيرات ولو بشكل جزئي.


 

ورغم سيطرة ملامح الإرهاق والتعب الشديدين على أبو جامع، الموصوف بأبرز القائمين على حملة "جمعة الكاوتشوك"، جراء تعرضه لإصابتين بالرصاص الحي؛ إحداهما قبل أسبوعين، والأخرى قبلها بشهرين، فإن وصول مزيد من عربات تجميع الإطارات المطاطية تخفف من آلامه وتعيد الابتسامة لمحياه.

لا يتوقف الشاب ورفاقه عن الحديث حول أهداف "جمعة الكاوتشوك" للمارة، مؤكدين أن "تجربتهم مع الإصابة دفعتهم للتفكير في إشعال الإطارات على الحدود، لحجب الرؤية بقدر المستطاع عن قناصة الاحتلال لتقليل فرص إصابة متظاهري مسيرة العودة".

يتدخل زياد المدني صديق عيسى معلنا بدء مرحلة نقل الإطارات المجمعة إلى حدود خان يونس الشرقية مع الاحتلال، لاستيعاب غيرها مما يجمع بشكل مجاني من داخل المدينة، فيهب الشباب لتحميلها على العربات ثم يعتلونها وهم يلوحون بأعلام فلسطين.

في الطريق إلى الحدود الشرقية، كان ما يوصف بموكب نقل الإطارات المطاطية لخيمة مسيرة العودة، محط أنظار الفلسطينيين ممن يسيرون بالطرقات أو يتابعون الحدث من منازلهم عبر الشرفات، ليرفع بعضهم شارة النصر ترافقها تصفيقات وابتسامات.
يزداد إحساس زياد ورفاقه بالنشوة وهم يتلمسون دعم أبناء شعبهم خلال قطعهم مسافة الطريق الرئيسي قبل أن تصل إطلالة الموكب إلى الحدود، فتصدح مكبرات الصوت بالأغاني الوطنية.

يقفز زياد من أعلى "التوك توك" ملوحاً بيديه، بينما يحتضنه بعض معتصمي خيام مسيرة العودة قبل بدئهم تنزيل الإطارات وتوزيعها حسب أحجامها بالمكان، ليعتلي الشاب الساتر الترابي المطل على جنود الاحتلال ويتبادل الحديث مع رفاقه " لن نستسلم ولن نيأس وسنجمع المزيد من الكاوتشوك حتى تصل أعدادها للآلاف ويكفينا رسالة المحاولة والتحدي".

ولأن الشباب يخططون لإشعال آلاف الإطارات المطاطية بشكل متزامن ليغطي دخانها الكثيف نقاط تجمع المتظاهرين الخمس على الحدود مع الاحتلال الجمعة المقبل، فقد عمدوا لتنفيذ أولى تجاربهم المنظمة بإشعال إطارات كثيرة ومتراصة بلحظة واحدة.


شبان يبدؤون تجاربهم المنظمة بإشعال إطارات كثيرة ومتراصة في لحظة واحدة على حدود القطاع مع الاحتلال (الجزيرة)

نجحت التجربة وعلا الدخان بكثافة، فتقدم الشباب أكثر وهم يحملون المقالع، بينما تسلل آخرون ونجحوا في تثبيت أعلام فلسطين على مسافة قريبة من الجنود لأول مرة منذ بدء مسيرات العودة قبل ستة أيام ومن دون إصابات.

يعود الشباب إلى الخيام، ومن بينهم إبراهيم الملثم بالكوفية، بعدما خاض تجربة الرمي بالمقلاع مع عشرات المتظاهرين خلف الدخان الأسود بأقل خطورة من مرات سابقة كما يقول، مضيفاً "سنجرب هذا الكاوتشوك الجمعة المقبل لعل مشاهد تساقطنا بالرصاص لا تتكرر أو تقل، وإذا لم تجد سنبحث عن وسيلة أخرى".

وليس بعيدا يقف الشاب محمد زعرب المصاب برصاصة في ذراعه اليسرى الجمعة الماضي، وهو يتابع نشاط الشباب المنهمكين في تخزين مزيد من الإطارات المطاطية داخل الخيام وخارجها.
بنظرات إعجاب يتطلع الشاب إلى جهود أقرانه وهم يوفرون "سلاح إرادة الحياة مقابل سلاح الموت بيد الاحتلال"، معتبراً أن الجمعة المقبل سيكون "جمعة الكاوتشوك" بكل جدارة، وإن أطلقت عليها الجهات المنظمة أسماء أخرى.

تغرب الشمس على المعتصمين فيتوقف المتطوعون عن جلب الإطارات المطاطية للمنطقة الحدودية بخان يونس بعد توفيرهم نحو ألف إطار، إضافة إلى أعداد متفاوتة ببقية المناطق، انتظاراً ليوم جديد يجمعون فيها ما يستطيعون، بينما تسري حملة "جمعة الكاوتشوك" ببقية مدن القطاع الأخرى كالنار في الهشيم، في وقت تصدرت فيه الحملة منصات التواصل الاجتماعي.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
الأكثر قراءة